محمد محمد أبو ليلة
197
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
هذه النجوم وجدت كل واحد منها قائما بنفسه مستقلا بذاته متميزا بألقه ، ولكنك إذا نظرت إلى ذلك السّنا اللانهائي الذي يضم مجموع أنوار هذه النجوم وجدتها كلها ، وكأنها برزت من هذا اللجين المترامى الأطراف ، وانبثقت من هذا المحيط النوراني المتدفق . إنه من الجلي أنه لا توجد سورة من سور القرآن يمكن أن تكون عن القرآن بمعزل ، وليس في القرآن البتّة تركيب اصطناعي ، أو تصنيف بشرى ولا تجميع ولا تقطيع ، بل وحدة وانسجام ، وجمال وكمال ، إن القرآن ، كل القرآن صادر عن المنزّل العظيم ، ودال على اللّه رب العالمين ، الذي لا شريك له في ملكه ولا في كلمه ؛ يقول تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 ) ( النساء : 82 ) ؛ ويقول تبارك تعالى : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) ( الأعراف : 52 ) . ويقول تعالى : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) ( الأعراف : 7 ) ؛ ويقول : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( 1 ) ( هود : 1 ) ، ومعنى " فصّلت " أحكمت في صورتها ومعناها بمقياس دقيق ، وتركيب بديع مناسب لما فصلت له مناسبة الثوب للبدن ، والأعضاء للجسم ، والفصل هو موضع المفصل ، وبين كل فصلين وصل ، ومما قيل شعرا في هذا المعنى : " وصلا وفصلا ، وتجميعا ومفترقا ، فتقا ورتقا وتأليفا لإنسان " ؛ ويقال : " عقد مفصل " أي جعل بين كل لؤلؤتين خرزة « 1 » ؛ ويقول تعالى : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ ( 49 ) ( العنكبوت : 49 ) ؛ ويقول : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( 42 ) ( فصلت : 41 - 42 ) .
--> ( 1 ) انظر ابن كثير مختصر تفسير 2 / 210 ؛ الراغب الأصفهاني . المفردات ص 638 ، 639 ؛ وابن منظور . لسان العرب 11 / 520 ، 521 .